![]()
| انطلق من رأس بيروت والبريطاني <تشانس> علّمه أصول اللعبة والمراوغة والتفاهم مع زملائه
وكانت روحه الخفيفة ونكاته الظريفة تجعله محبباً الى جميع زملائه اللاعبين، فيحرص على إيصال مستحقاتهم من المسؤولين في الاتحاد، ولعل أكثر ما كان يجذبه إليهم، تواضعه ولهفته لمساعدتهم، وكثيراً ما كان يتحمّل مشاق نقل الحقائب والمتاع الى الفندق أو الباص من دون تذمر، هذا إضافة الى عطائه الوفير في الملعب. فكان عيتاني يشغل مركزي الظهيرين الأيمن والأيسر لإجادته استخدام قدميه، وكان يجيد السيطرة على الكرة بأسلوب فكاهي ينم عن مهارات عالية، ففي بعض الأحيان كان يسيطر على الكرة بظهره، أو بكلتا قدميه معاً، ويخدع المهاجمين المنافسين قربه، فينشغلون بمراقبته أكثر من السعي لتخطيه، وهل كان تخطيه سهلاً؟ فرغم قصر قامة العيتاني (1.60م) كان يجيد التطاول للكرات العالية، وكانت قوة عضلات ساقيه تساعده للقفز أعلى من المهاجمين الذين يفوقونه طولاً· وكانت انطلاقة العيتاني من منطقة رأس بيروت حيث أبصر النور، ولم يكن والده لاعب كرة بل كان مولعاً بصيد السمك، وأورث هذه الهواية ابنه محيي الدين الذي كان يقضي أوقاته في صغره بالسباحة صيفاً وصيد السمك صيفاً شتاء، وممارسة الكرة على ملعب النجمة في المنارة أيام الكويس، حتى تعشعش حب الكرة في أحشاء قلبه حتى انه كان يفضّلها على الدراسة في <الشيخة>. وكان والده عبد الرزاق يرسله الى الشيخ محمد عيتاني ليعلّمه القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، لكن الفتى المتوقد حيوية ونشاطاً لا يصبر على تمضية الوقت في ذاك المكان الذي يحد من تفجير طاقاته الجسدية، فيهرب من المدرسة، رغم تأنيب والده له، ويصرف الوقت مع محبوبته الساحرة المستديرة على ملعب النجمة، وتعرّض العيتاني للطرد مرات عدة من المدرسة بعد استدعاء والده. ولفت نظره الى تقصير ولده محيي الدين في
الدراسة والدوام، ولكن الطرد كان أحب إليه من الدرس، وكان يحاول اقناع
والده بأنه لا يصلح لحمل الكتب والكراريس، بل لتعليم الاولاد من عمره
الكرة، فحُرم العيتاني من تعلّم فك الحروف والكلمات وبقي أمياً لا يقرأ
ولا يكتب، لكنه عوّض عن ذلك بتفجير مواهبه الدفينة في الملاعب الخضراء·
وقال العيتاني: <كنت اعتبر المدرسة والصف سجناً لي أقضى فيه ساعات
طويلة من النهار، فضلاً عن فصول التعذيب التي كان يعتمدها الشيخ عيتاني
وهو ليس قريباً لي، وحين كبرت عرفت ان فتح المدارس هو للمساهمة في
اغلاق السجون، وحرصت على مساعدة أولادي لينالوا حظهم من العلم، وارتحت
نفسياً حين لمست بأنني عوّضت عما فاتني من العلم في أولادي>· وكنت أشاهد بعد ظهر كل يوم رجلاً أجنبياً يراقبني، ويتابع مباريات أولاد النجمة الذين يشرف عليهم الكويس، ودعاني هذا الرجل يوماً للتحدث إليه، وعرفت انه انكليزي، ولكنه يجيد التحدث بالعربية لأنه كان يعيش ويعمل في لبنان، وعرض عليّ أن يدربني على أن أطيعه خلال التدريب، ولم اتردد في قبول هذا العرض المجاني، ولا سيما انني كنت متشوّقاً لتعلّم أسرار الكرة وفنونها، وخضت تلك التجربة الحلوة مع أستاذي ومدربي الأجنبي الخاص الذي كان يدعى <تشانس>. ورسخ كل ما تعلّمته منه في ذهني، إذ كان
يدربني لوحدي، وزرع فيّ عشق الكرة، وكيفية معاملتها برفق وحنان، وأن
أجيد التفاهم مع زملائي لأنهم شركائي في الفريق، وأن اعتمد الطريق
السهل للتمرير، وتعلّمت منه فنون المراوغة، فكنت أدهش الجمهور بتقديم
فواصل مراوغة وأنا ألعب في الدفاع، وكنت اتخطى خصومي المهاجمين بسهولة،
واتعمّد أحياناً تخطيهم ثم العودة إليهم لاتخطاهم مراراً وتكراراً مما
يدخل البهجة والمتعة الى نفوس المشاهدين ولعل ما شدّني أكثر الى
التعلّم من هذا الانكليزي، هو تعليمي النظام في كل شيء، وبدون النظام
تصبح الحياة فوضى، وكذلك تنفيذ تعليمات المدرب، فالفريق أمامه خطة،
فإما أن يفوز أو تضيع جهود المدرب واللاعبين سدى، ومهما بلغت قدرات
اللاعب الفرد على العطاء، فإنه لا يستطيع حسم المباراة لوحده، إذ يصعب
عليه بمفرده التفوّق على 11 لاعباً منافساً، الا بتعاونه مع زملائه
وتعاونهم معه>· |
ABDO GEDEON توثيق